الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 335
هذه الجملة أوسع من ذلك بكثير . لهذا فسرها بعضهم بعيادة المريض وزيارة
المؤمن وطلب العلم والمعرفة ، ولم يحصروها بهذه المعاني كذلك .
من الواضح أن الانتشار في الأرض وطلب الرزق ليس أمرا وجوبيا ، ولكن
-كما هو معلوم أصوليا"أمر بعد الحظر والنهي"- دليل على الجواز والإباحة . مع
أن البعض فهم من هذا التعبير أن المقصود هو استحباب طلب الرزق والكسب
بعد صلاة الجمعة ، وإشارة إلى كونه مباركا أكثر .
وجاء في الحديث أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يمشي في السوق بعد صلاة الجمعة .
جملة واذكروا الله كثيرا إشارة إلى ذكر الله تعالى الذي وهب كل تلك
البركات والنعم للإنسان . وقال بعضهم: إن الذكر هنا يعني التفكر كما جاء في
الحديث"تفكر ساعة خير من عبادة سنة" ( 1 ) .
وفسرها آخرون بمعنى التوجه إلى الله تعالى في الكسب والمعاملات وعدم
الانحراف عن جادة الحق والعدالة .
غير أنه من الواضح أن للآية مفهوما واسعا يشمل كل تلك المعاني ، كما أنه من
المسلم أن روح الذكر هو التفكر . والذكر الذي لا يكون مقرونا بالتفكر لا يزيد عن
كونه لقلقة لسان ، وإن الذكر الممزوج بالتفكر هو سبب الفوز في جميع الحالات .
ومما لا شك فيه أن استمرار الذكر والمداومة عليه يرسخ الخوف من الله
ويعمقه في نفس الإنسان ، ويجعله يستشعر ذلك في أعماق نفسه ، ويقضي نهائيا
على أسباب الغفلة والجهل اللذين يشكلان السبب الأساس لكل الذنوب ، ويضع
الإنسان في طريق الفلاح دائما . وهناك تتحقق حقيقة لعلكم تفلحون .
في آخر الآية - مورد البحث - ورد ذم عنيف للأشخاص الذين تركوا رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في صلاة الجمعة وأسرعوا للشراء من القافلة القادمة ، إذ يقول تعالى:
1 -مجمع البيان ، ج 10 ، ص 289 .