ثم سار السلطان ونازل القدس وبه من النصارى عدد يفوت الحصر وضايق السلطان السور بالنقابين واشتد القتال وغلقوا السور فطلب الفرنج الأمان فلم يجبهم السلطان إلى ذلك وقال: لا آخذها إلا بالسيف مثلما أخذها الفرنج من المسلمين فعاودوه في الأمان وعرفوه ما هم عليه من الكثرة وأنهم إن أيسوا منه من الأمان قاتلوا خلاف ذلك فأجابهم السلطان إليه بشرط أن يؤدي كل من بها عشرة الدنانير عشرة الدنانير من الرجال يؤدي النساء خمسة خمسة ويؤدوا عن كل طفل دينارين وأي من عجز عن الأداء كان أسيرًا فأجيب إلى ذلك وسلمت إليه المدينة يوم الجمعة في السابع والعشرين من رجب وكان يومًا مشهودًا ورفعت الأعلام الإسلامية على أسرار المدينة ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور فخان المرتبون في ذلك ولم يحملوا منه إلا القليل وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب وتسلق المسلمون وقلعوه فسمع لذلك ضجة لم تعهد مثلها من المسلمين للفرح والسرور ومن الكفار بالتفجع والتوجع وكان الفرنج قد عملوا في غربي الجامع الأقصى هربًا ومستراحًا فأمر السلطان بإزالة ذلك وإعادة الجامع إلى ما كان عليه .
وكان نور الدين محمود بن زنكي قد عمل منبرًا بحلب قد تعب عليه مدة وقال: هذا لأجل القدس فأرسل السلطان صلاح الدين وأحضر المنبر من حلب وجعله في الجامع الأقصى وأقام السلطان بعد فتوح القدس بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يرتب أمور البلد وأحوالها وأمر بعمل الربط والمدارس الشفعوية .