لكم سباق ولهم سباق ** قد سلمتْ ذلكم الرفاق
وسار عمر ومعاوية من دمشق بأهل الشام إِلى جهة علي وتأنى معاوية في مسيره حتى اجتمعت الجموع بصفين وخرجت سنة ست وثلاثين والأمر على ذلك .
والجيشان بصفين ومضى المحرم ولم يكن بينهم قتال بل مراسلات يطول ذكرها لم ينتظم بها أمر ولما دخل صفر وقع بينهما القتال فيه وكانت بينهم وقعات كثيرة بصفين قيل كانت تسعين وقعة وكان مدة مقامهم بصفين مائة وعشرة أيام وكانت عدة القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعين ألفًا ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفًا منهم ستة وعشرون رجلا من أهل بدر وكان علي قد تقدم إِلى أصحابه أن لا يقاتلوهم حتى يبدؤوا بالقتال وأن لا يقتلوا مدبرًا وألا يأخذوا شيئًا من أموالهم وأن لا يكشفوا عورة .
قال معاوية أردت الانهزام بصفين فتذكرت قول ابن الإطنابة فثبت وكان جاهليًا والإطنابة مرة وهو قوله:
أبت لي همتي وحياء نفسي ** وإقدامي على البطل المشيح
وإعطائي على المكروه مالي ** وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وقولي كلما جاشت وجاشت ** رويدك تحمدي أو تستريحي
وقاتل عمار بن ياسر رضي الله عنه مع علي قتالًا عظيمًا وكان قد نيف عمره على تسعين سنة وكانت الحربة في يده ترعد وقال: هذه راية قاتلت بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة ودعى بقدح من لبن فشرب منه ثم قال: صدق الله ورسوله: اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن آخر رزقي من الدنيا ضيحة لبن ) والضيحُ: اللبن الرقيق الممزوج .
وروي أنه كان يرتجز:
نحن قتلناكم على تأويله ** كما قتلناكم على تنزيله