ولم يزل عمار المذكور يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه وفي الصحيح المتفق عليه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ( يقتل عمار الفئة الباغية ) قيل: إِن الذي قتله أبو عادية برمح فسقط عمار فجاء آخر فاحتز رأسه وأقبلا يختصمان إِلى عمرو ومعاوية كل منهما يقول: أنا قتلته .
فقال عمرو: إِنكما في النار فلما انصرفا قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثل ما رأيت اليوم صرفت قومًا بذلوا أنفسهم دوننا .
فقال عمرو: هو والله ذلك والله إِنك لتعلمه ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة .
وبعد قتل عمار رضي الله عنه انتدب علي اثني عشر ألفًا وحمل بهم على عسكر معاوية فلم يبق لأهل الشام صف إِلا انتقض وعلي يقول: أقتلهم ولا أرى معاويه الجاحظ العين العظيم الخاويه ثم نادى: يا معاوية علام تقتل الناس ما بيننا هلم أحاكمك إِلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور .
فقال عمرو: أنصفك ابن عمك فقال معاوية: ما أنصف إِنك تعلم أنه لم يبرز إِليه أحد إِلا قتله .
فقال عمرو وما يحسن بك ترك مبارزته .
فقال معاوية: طمعتَ في الأمر بعدي .
ثم تقاتلوا ليلة الهرير شبهت بليلة القادسية وكانت ليلة الجمعة واستمر القتال إِلى الصبح وقد روى أن عليًا كبر تلك الليلة أربعمائة تكبيرة وكانت عادته أنه كلما قتل قتيلًا كبر ودام القتال إِلى ضحى يوم الجمعة .
وقاتل الأشتر قتالًا عظيمًا حتى انتهى إِلى معسكرهم وأمده علي بالرجال ولما رأى عمرو ذلك قال لمعاوية: هلم نرفع المصاحف على الرماح ونقول هذا كتاب الله بيننا وبينكم ففعلوا ذلك ولما رأى أهل العراق ذلك قالوا لعلي: لا نجيب إِلى كتاب الله فقال علي: امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم فإِن عمرًا ومعاوية وابن أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا أعرف بهم منكم ويحكم والله ما رفعوها إِلا خديعة ومكيدة .
فقالوا: لا تمنعنا أن ندعي إِلى كتاب الله فنأبى .