وكان نظام الملك من أبناء الدهاقين بطوس وماتت أم نظام الملك وهو رضيع فكان يطوف به والده على المرضعات فيرضعنه حسبة ثم انتشأ نظام الملك وتعلم العربية وسمع الحديث ثم اشتغل بالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر يعلو به حتى خدم طغريل بك وصار وزيره واستمر على وزارته ولما صار الملك إلى ألب أرسلان كان نظام الملك مع ابنه ملكشاه بن ألب أرسلان وقام بأمره حتى صارت السلطنة إلى ملكشاه فبلغ نظام الملك من المنزلة ما لم يبلغه غيره من الوزراء وقرب العلماء وبنى المدارس في سائر الأمصار وأسقط المكوس وأزال لعن الأشعرية من المنابر وكان قد فعله عميد الملك الكندري كما تقدم ذكره وأوصافه كثيرة حسنة رحمه الله تعالى .
وفاة السلطان ملكشاه كان السلطان ونظام الملك قد سارا عن بغداد في العام الماضي إلى أصفهان فعادا من أصفهان في هذه السنة متجهين إلى بغداد فقتل نظام الملك بالقرب من نهاود كما ذكر وأتم السلطان السير ودخل بغداد في الرابع والعشرين من رمضان هذه السنة ثم خرج السلطان ملكشاه من بغداد إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضًا بحمى محرقة وتوفي ليلة الجمعة نصف شوال وهو ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وكان مولده في سنة سبع وأربعين وأربعمائة .
وكان من أحسن الناس صورة ومعنى وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى بلاد اليمن وحملت له ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب وكانت أيامه أيام عدل وسكون وأمن فعمرت البلاد ودرت الأرزاق وعمر الجامع ببغداد وعمل المصانع بطريق مكة وكان غاويًا بالصيد وكان يتصدق بعدد كل وحش يصيده بدينار وصاد مرة صيدًا كثيرًا تقديره عشرة آلاف فتصدق بعشرة آلاف دينار .