فلما كانت هذه السنة أعني سنة أربع وأربعين استلحق معاوية زيادًا فأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد بالنسب وكان ممن حضر لذلك أبو مريم الخمار الذي أحضر سمية إلى أبي سفيان بالطائف فشهد بنسب زياد من أبي سفيان قال: إني رأيت اسكتي سمية يقطران من مني أبي سفيان فقال زياد: رويدك طلبت شاهدًا ولم تطلب شتامًا فاستلحقه معاوية وهذه أول واقعة خولفت فيها الشريعة علانية لصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) وأعظمَ الناس ذلك وأنكروه خصوصًا بنو أمية لكون زياد بن عبيد الرومي صار من بني أمية بن عبد شمس وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان في ذلك: ألا أبلغ معاوية بن صخر لقد ضاقت بما تأتي اليدان أتغضبُ أن يقال أبو عف وترضى أن يقال أبوك زاني وأشهد أن رحمك من زياد كرحم الفيل من ولد الأتان ثم ولى معاوية زيادًا البصرة وأضاف إِليه خراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعُمان .
وفيها أعني سنة أربع وأربعين توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم دخلت سنة خمس وأربعين
فيها قدم زياد إِلى البصرة فشدد أمر السلطنة وأكد الملك لمعاوية وجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة فخاف الناس خوفًا شديدًا وذكر أنه لم يخطب أحد بعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل زياد .
ولما مات المغيرة سنة خمسين وكان عاملا لمعاوية على الكوفة ولى معاوية الكوفة أيضًا زيادًا فسار زياد إِليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب فحذا حذو زياد في سفك الدماء وكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر وفي البصرة مثلها وهو أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس خمس مائة لا يفارقون مكانه .