وأقام سعد بالمدائن وأرسل جيشًا إلى جلولاء وكان قد اجتمع بها الفرس فانتصر المسلمون وقتلوا من الفرس ما لا يحصى وهذه الوقعة هي المعروفة بوقعة جلولاء وكان يزد جرد بحلوان فسار عنها وقصدها المسلمون واستولوا عليها ثم فتح المسلمون تكريت والموصل .
ثم فتحوا ما سبذان عنوة وكذلك قرقيسيا .
وفي هذه السنة أعني سنة ست عشرة للهجرة قدم جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتلقاه جماعة من المسلمين ودخل في زي حسن وبين يديه جنائب مقادة ولبس أصحابه الديباج ثم خرج عمر إِلى الحج في هذه السنة فحج جبلة معه فبينما جبلة طائفًا إِذ وطئ رجل من فزازة على إِزاره فلطمه جبلة فهشم أنفه فأقبل الفزاري إِلى عمر وشكاه فأحضره عمر وقال: افتد نفسك وإلا أمرته أن يلطمك فقال جبلة: كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة فقال عمر: إِن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد .
فقال جبلة: كنت أظن أني بالإسلام أعز مني في الجاهلية .
فقال عمر: دع عنك هذا .
فقال جبلة أتنصر .
فقال عمر: إِن تنصرت ضربت عنقك .
فقال أنظرني ليلتي هذه فأنظره فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله إِلى الشام ثم صار إِلى القسطنطينية وتبعه خمس مائة رجل من قومه فتنصروا عن آخرهم وفرح هرقل بهم وأكرمه ثم ندم جبلة على فعله ذلك وقال:
تنصرت الأشراف مِنْ عار لطمة ** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفنيَ فيها لجاج ونخوة ** وبعت لها العينَ الصحيحة بالعورْ
فيا ليتَ أمي لم تلدني وليتني ** رجعت إِلى القولِ الذي قاله عمرْ
وكان قد مضى رسول عمر إلى هرقل وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة فأرسل جبلة خمس مائة دينار لحسان ابن ثابت وأوصلها عمر إليه ومدحه حسان ابن ثابت بأبيات منها:
إِن ابن جفنة من بقية معشرِ ** لم يعرُّهم أباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هَو ربها ** كلا ولا متنصرًا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده ** إِلا كبعض عطية المذموم