ثم يقال لكل ما غَمُضَ ودَقّ: (مُتشابهٌ) ، وإنْ لم تقع الحَيْرَةُ فيه، مِنْ جِهَةِ (الشَّبَهِ) بغيره ألا تَرَى أنه قد قيل للحروف المقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَر: متشابهة؟ (وليس) الشكُّ فيها. والوقوف فيها؛ لمشاكَلَتِها غيرَهَا والتباسِها به. ومثل المتشابه: المُشكِلُ.
واعلَمْ أنَّ القرآن كُلَّهُ محكَمٌ مِنْ وَجْهٍ؛ على معنى: أنه (حقٌّ) ثابت. قال اللهُ تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] . ومُتَشابِهٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وهو أن يشبه بعضه بعضًا في الحُسْنِ، ويُصدّق بَعْضُه بعضًا، وهو قوله تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23] .
وقوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} . أي: أصل الكتاب الذي يُعْمَل عليه. فَمَنْ جَعَلَ (المُحْكَمَات) : الآيات الثلاث في (الأنعام) ، قال: يريد: هُنّ أم كلِّ كِتَابٍ أنزله الله على نَبِيٍّ، فيهن كلُّ ما أحلّ، وفيهن كلُّ ما حرّم. ووحَّد (الأمَّ) بعد قوله: {هُنَّ} ؛ لأن الآياتِ كلَّها في تكامُلِها واجتماعها، كالآية الواحدة، وكلام الله واحد.
وقال أبو العباس: لأنهن بكمالِهِنَّ (أُمٌّ) ، وليست كلُّ واحدِةٍ منهن (أُمَّ الكتاب) ، على انفرادها.
وقال الأخفش: وَحَّدَ {أُمُّ الْكِتَابِ} بالحكاية؛ على تقدير الجواب؛ كأنه قيل: ما أمُّ الكتاب؟ فقيل: هنّ أم الكتاب؛ كما تقول:
مَنْ نَظِيرُ زيد؟ فيقول قومٌ: نحن نظيرُه؛ كأنهم حَكَوا ذلك اللفظ. وهذا على قولهم: دَعْنِى مِنْ (تَمْرَتان) ؛ أي: مِمَّا يقالُ له (تمرتان) .
قال أبو بكر: وقولُ الأخفش بِعيدٌ مِنَ الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لمْ يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليه حاجةٌ. وقيل: أراد: كل آية منهنّ أمُّ الكتاب؛ كما قال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] ؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما آية.