وسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الراسخين فِي العلم فقال:"هو مَنْ بَرّتْ يمينُه وصدَق لسانُه واستقام قلبه"فإن قيل: كيف كان فِي القرآن متشابه والله يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فكيف لم يجعله كله واضحاً؟ قيل له: الحكمة فِي ذلك والله أعلم أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحاً لم يظهر فضلُ بعضهم على بعض.
وهكذا يفعل من يصنِّف تصنيفاً يجعل بعضه واضحاً وبعضه مشكلاً، ويترك للجُثْوَة موضعاً؛ لأن ما هان وجودُه قلّ بهاؤه. والله أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 16 - 19}
[فائدة]
قال القرطبي:
هذه الآية تعمّ كل طائفة من كافر وزِنديق وجاهل وصاحب بِدعة، وإن كانت الإشارة بها فِي ذلك الوقت إلى نصارى نجران.
وقال قتادة فِي تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم.
قلت: قد مرّ هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعاً، وحسبك. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 13}
فصل
قال القرطبي:
قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه:
متبِعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك فِي القرآن وإضلالِ العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامِطة الطاعنون فِي القرآن؛ أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسِّمة الذِين جمعوا ما فِي الكتاب والسنة مما ظاهره الجِسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصوّرة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلكا؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبِيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال.
فهذه أربعة أقسام:
الأوّل: لا شك فِي كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة.