وأيضا. فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه. فهذا زوج، وهذا زوج، وهذا نكاح، وهذا نكاح، وكذلك الطلاق، ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه، ولا اسمه كاسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح. باذل للمهر، ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح، والمحلل برئ من ذلك كله، غير ملتزم لشيء منه.
وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرّم نكاح المُتْعة مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زماناً، وهو ملتزم لحقوق النكاح، فالمحلل الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزُو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم.
وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً في أول الإسلام، ونكاح التحليل لمُ يشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولم يكن في الصحابة محلل قط.
الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنه، وأباحه عبد الله بن مسعود. ففى"الصحيحين"عنه قال:"كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم، وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلا نَخْتَصِى؟ فَنَهانَا عَنْ ذلِكَ، ثُمَّ رَخّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ المَرْأَةَ بِالثّوْبِ إِلى أَجَلٍ".
ثم قرأ عبد الله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] . وَفتْوَى ابن عباس بها مشهورة.
قال عُروة:"قام عبد الله بن الزبير بمكة فقال: إن ناساً أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة يُعرِّض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: إنك لجِلْفُ جافٍ، فلعمرى لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين، يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم،"
فقال له ابن الزبير: فجرّبْ نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك"."
فهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة، وذاك قولهما وروايتهما في نكاح التحليل.
الرابع: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يجئ عنه في لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلل والمحلل له، وعن الصحابة: ما قد تقدم.