ست مسائل وهي بإيجاز:
الأولى- فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه لأنها بشهادة منه عليه، قال الله سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور 24/ 24] .
الثانية- لا يصح الإقرار إلا من مكلف (بالغ عاقل) لكن بشرط ألا يكون محجورا عليه لأن الحجر يسقط قوله إذا كان لحق نفسه، فإن كان لحق غيره كالمريض، كان منه ساقط، ومنه جائز، كما هو مقرر في الفقه.
الثالثة- قوله تعالى: وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
معناه: ولو اعتذر لم يقبل منه، وقد اختلف العلماء في جواز الرجوع عن الإقرار في الحدود الخالصة لله تعالى: فقال أئمة المذاهب الأربعة على المشهور عند المالكية: يقبل رجوعه بعد الإقرار، ويسقط الحد، وهو الصحيح عملا
بما رواه الأئمة، منهم البخاري ومسلم: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ردّ المقرّ بالزنى مرارا أربعا، كل مرة يعرض عنه، ولما شهد على نفسه أربع مرات، دعاه النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال:
أحصنت؟ قال: نعم. وقال لأصحابه- فيما رواه أبو داود وغيره- حينما هرب- أي ماعز- فاتبعوه: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه» .
وروي عن مالك أنه قال: لا يعذر المقر إلا إذا رجع لشبهة، عملا
بحديث: «لا عذر لمن أقرّ» .
الرابعة- قال ثعلب: معنى قوله تعالى: وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
أنه إذا اعتذر يوم القيامة وأنكر الشرك، لا ينفع الظالمين معذرتهم، ويختم على فمه،
فتشهد عليه جوارحه، ويقال له: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء 17/ 14] .
الخامسة- الآية في الحر المالك لأمر نفسه. أما العبد: فإن أقر بموجب عقوبة من القتل فما دونه، نفذ عليه. وقال محمد بن الحسن: لا يقبل ذلك منه لأن بدنه مستغرق لحق السيد، وفي إقراره إتلاف حقوق السيد في بدنه، ودليل الرأي الأول
قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت: «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته، نقم عليه الحدّ» .