ثم قال: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ ...(13) . أي: معجل ومؤجل (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)
لكم؛ يعني: الصحابة، وهو ما أصابوه من فتح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعده والتابعون
وتابعوهم، ثم قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بفتح يكون لهم في آخر
الزمان، كما قال: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) يعني: ما
أصابوه قل، ثم قال: (وَلِتَكُونَ) أي: هذه الغنائم (آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: على مغانم
لم تقدروا أنتم عليها، ثم قال: (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) .
هذا وعد مستقبل، وقد كان تحصلت لهم الهداية إلى الصراط المستقيم
برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن المنزل عليه والوحي علم - تبارك وتعالى - أن الفتن
ستكثر والصراط يخفى أثره إلا ما شاء الله من ذلك، فوعدنا بالهداية إلى الصراط
المستقيم بعد ذلك إن شاء الله (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ (53) . على ذلك الفتح والهداية إنك عليم قدير.
نظم بذلك قوله - جل ذكره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ
فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) .
وأنصار عيسى ابن مريم - صلوات الله وسلامه عليه - فلم يظهروا بعد، بل قتلوا تحت كل نجم ومزقوا كل ممزق إلا قليل منهم، وقد تقدم ذكرهم في آخر سورة الحديد، فقوله - جلَّ جلالُه: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى
عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) . وعد حق منتظر قد كان منه ما شاءه الله
تعالى وتمامه مؤجل إلى وقت، كما قال - عز من قائل:(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي
مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)فهذا قد مضى وتقضى، ثم قال:
(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فهذا مستقبل منتظر، ثم قال: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فافهم. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 332 - 335} ...