تستهدف أولا أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، وسبقته صور منه تناسب أطوارا معينة في تاريخ البشرية، وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات، تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات، وأن يظهره على الدين كله في الأرض.
هذا الهدف الأول الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني. فإن شعور المسلم بهذه الحقيقة، وإدراكه لقصة العقيدة، ولنصيبه هو من أمانتها في الأرض ... يستتبع
شعوره بتكاليف هذه الأمانة شعورا يدفعه إلى صدق النية في الجهاد لإظهار دينه على الدين كله - كما أراد الله - وعدم التردد بين القول والفعل، ويقبح أن يعلن المؤمن الرغبة في الجهاد ثم ينكص عنه، كما يبدو أنه حدث من فريق من المسلمين كما تذكر الروايات).
كلمة في سورة الصف ومحورها:
في مقدمة سورة البقرة كلام عن الاهتداء بكتاب الله من قبل المؤمنين بالغيب المقيمين للصلاة، المنفقين في سبيل الله، وكلام عن هؤلاء أنهم مفلحون، وكلام عن الكافرين أن لهم عذابا عظيما، وأن الله قد ختم على قلوبهم، وكلام عن المنافقين، وخسار تجارتهم أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. وفي سورة الصف يدلنا الله عزّ وجل على التجارة الرابحة المنجية عنده، وهي الإيمان بالله والرسول والجهاد؛ مما يشير إلى أن الجهاد في سبيل الله هو أحد ما ينبغي الاهتداء به من كتاب الله ليحقق المسلم فلاحه وتقواه وتربح تجارته، فالإيمان العملي ينبثق عنه جهاد للكافرين، ومن ثم تبدأ السورة بالإنكار على من لا يتجاوز الإيمان عنده حدود الأقوال إلى الأفعال، مبينة أن الفعل هو المظهر الصحيح للإيمان وبالخصوص الجهاد المنظم في سبيل الله. ثم تذكر السورة مبررات هذا الجهاد من فسوق من فسق، وجرأة من تجرأ، وظلم من ظلم، وإرادة الله في نصرة دينه، ثم تدعو السورة إلى الإيمان بالله والرسول والجهاد، وإلى نصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.