فإن قلت: كيف موقع لكِنَّ وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟
قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم المتقدم ذكرهم، فوقعت لكن في موقعها من الاستدراك.
واسم الإشارة في قوله: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعود إلى المؤمنين الصادقين، الذين حبب الله - تعالى - إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم.
أي: أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة، هم الثابتون على دينهم، المهتدون إلى طريق الرشد والصواب، إذ الرشد هو الاستقامة على طريق الحق، مع الثبات عليه، والتصلب فيه، والتمسك به في كل الأحوال.
وقوله - سبحانه -: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً .. تعليل لما منّ به - سبحانه - عليهم من تزيين الإيمان في قلوبهم. أي: فعل ما فعل من تحبيب الإيمان إليكم، ومن تبغيض الكفر إلى قلوبكم، لأجل فضله عليكم، ورحمته بكم، وإنعامه عليكم بالنعم التي لا تحصى.
وَاللَّهُ - تعالى - عَلِيمٌ بكل شيء حَكِيمٌ في كل أفعاله وأقواله وتصرفاته.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد رسمت للمؤمنين أحكم الطرق في تلقى الأخبار، وأرشدتهم إلى مظاهر فضله عليهم، لكي يستمروا على شكرهم له وطاعتهم لرسله.
ثم انتقلت السورة إلى دائرة أوسع وأرحب، فدعت المؤمنين إلى التدخل بين الطوائف المتنازعة لعقد المصالحة بينها، وإلى قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى - فقال - سبحانه -:
[سورة الحجرات (49) : الآيات 9 إلى 10]
(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ...(9)
وقد ذكروا في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها: ما رواه الإمام أحمد عن أنس قال:
قيل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لو أتيت عبد الله بن أبى؟ فانطلق إليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه - عليه الصلاة والسلام - قال: إليكم عنى، فو الله لقد آذاني ريح حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك.