وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين - رضي الله عنه: من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله.
وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازها.
وقال ابن القيم: وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيء بمكره الحسن فيكون المكر منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء؛ لأنه عدل ومجازاة وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر.
وقال رحمه الله: وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم؛ فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه، ليتوصل به إلى مراده. فمن المحمود مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس عملهم قال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] .
وقال أيضًا: فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأولى مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل.
وقال ناصر الفهد: والصحيح في هذه الصفات إثباتها على الوجه اللائق بالله سبحانه، وكون الاستهزاء والمكر والكيد ونحوها صفات مذمومة من البشر لا يقتضي هذا نفيها عن الله سبحانه لأمرين:
الأمر الأول: أنَّ الله سبحانه وتعالى لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يقاس بخلقه - كقياسات المعتزلة مشبهة الأفعال - فيجعل كل ما حسن من البشر حسن منه، وما قبح منهم قبح منه، فإن هذا لا يكون إلا للنظيرين، والله سبحانه لا نظير له، فقد يحسن منه ما لا يجوز للبشر الاتصاف به كالعظمة والكبرياء، وقد يحسن من خلقه ما ينزه عنه سبحانه كالعبودية.