وقال ابن كثير: وقوله تعالى: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} ؛ لما كان المكر غالبًا إنما يكون خفيًا، وهو التلطف في التحيل والخديعة قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدا كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) } [الطارق: 9] .
أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر. وجاء في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يُنصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان"؛ والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل.
الموضع الثالث: قال تعالى: {قَال فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) } [الأعراف: 123] .
قال ابن جرير: قال فرعون للسحرة إذ آمنوا بالله يعني: صدقوا رسوله موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لما عاينوا من عظيم قدرة الله وسلطانه (آمنتم) يقول: أصدقتم بموسى وأقررتم بنبوته قبل أن آذن لكم بالإيمان به؟ (إن هذا) يقول: تصديقكم إياه وإقراركم بنبوته (لمكر مكرتموه في المدينة) يقول: لخدعة خدعتم بها من في مدينتنا لتخرجوهم منها.
الموضع الرابع: قال تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) } [يوسف: 31] .
عن ابن إسحاق قال: لما أظهر النساء ذلك من قولهن: تراود عبدها؛ مكرا بها لتريهن يوسف وكان يوصف لهن بحسنه وجماله، فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئًا.
وهكذا باقي الآياتِ في مكر هؤلاء تدور حول الخداع، والتضليل، والتدبير للمؤمنين لإيقاعهم في الباطل أو قتلهم.