سُبْحَانه وَتَعَالى؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لَا يُشْبِه شيئًا مِنْ مَخْلُوقَاته، وَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَا يُشْبِه شيئًا مِنْ مَخْلُوقَاته، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ رَبّهمْ فَيَقُولُونَ: أنتَ رَبّنَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصُّورَةِ عَنْ الصِّفَة لمُشَابَهَتِهَا إِيَّاهَا، وَلمُجَانَسَةِ الْكَلَام فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْر الصُّورَة.
قال القاضي أبو يعلى: اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان ... ، وأنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور.
وأيضًا من الأدلة على إثبات الصورة حديث أبي سعيد الخدري في الرؤية، وهو بمعنى الحديث السابق وفيه: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أتاهُمْ رَبُّ الْعَالمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا.
الرد على الأقوال الأخرى:
أولًا: الرد على القول بأن الضمير يعود على غير الله تعالى، إما على المضروب وإما على آدم عليه السَّلام:
فنقول: هذا تأويل بعيد جدًّا عن ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، كما أن في هذا القول موافقة لأهل الكلام المحرفين لنصوص الصفات عن ظاهرها، ولهذا قال الإمام أحمد: هذا التأويل من تأويلات الجهمية، وأنكره أشد الإنكار. فقال: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي.
وعند التأمل نجد أن الشبهة التي أوقعت إمام الأئمة ابن خزيمة وغيره في هذا التأويل هي: توهم التشبيه، ولذلك اجتهد في تأويله وصرفه عن ظاهره، فجعل متعلق الضمير في كل حديث غيره في الحديث الآخر، ففي حديث (إذا قاتل أحدكم ... ) ، جعل الضمير
عائدًا إلى المضروب، فلما أتى إلى حديث (خلق الله آدم على صورته) ، ورأى أن هذا التأويل لا يستقيم جعله عائدًا إلى آدم عليه السَّلام.
ولما أتى إلى حديث ابن عمر: (فإن ابن آدم خُلق على صورة الرحمن) ، فجعله على فرض صحته من باب إضافة الخلق إلى خالقه، كل ذلك فرارًا من التشبيه، فهذا يؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث، لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوَّله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين.