كتب الأستاذ هذا بالنسبة لمسألة واحدة وهي تصدق علينا في كل مسألة مما
اختلفنا فيه، فكنا به شيعًا ومذاهب، وإلى الآن لم نتعارف ولم نطلب الأخوة
الإيمانية الصحيحة، وإنما يكون ذلك بتعميم التعليم الذي نريده، وهو مبني على أن
الإسلام ضد التمذهب؛ لأنه جاء لجمع الملل وتوحيدها، والتمذهب إنما كان لتفريق
الملة الواحدة وتعديدها، فالاعتقاد الذي نعلمه هو ما أجمع عليه الذين يعتد بإسلامهم
وكل ما اختلفوا فيه لا يتوقف الإسلام عليه ويجب أن يكون الاختلاف فيه كالاختلاف
في سائر المسائل العلمية لا يثير شغبًا ولا يحدث مذهبًا، مثلاً: إن المسلمين مجمعون
على أن الله عالم لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، ومختلفون
في ذلك العلم هل هو صفة وجودية زائدة على الذات، أو هي عين الذات، أو لا
عين ولا غير، ولا شك أن هذا البحث أقرب إلى الفلسفة منه إلى الدين، وهو لم
يذكر في القرآن ولا في السنة، ولا ورد في آثار السلف الصالح، وكذلك مسألة
الخلافة التي كانت علة العلل لجميع الانحراف والزلل، فإنها ليست من أركان الدين
وأصوله كما قلنا آنفًا.
لا أذكر في دروسي هذه من مسائل الخلاف إلا ما عساه يتوقف عليه فهم
المتفق عليه، ولا أخوض في شُبَه المبتدعة لئلا يعلق منها شيء في الأذهان
الضعيفة فيفسدها ويميتها، فقد علمنا ما فعل ذلك بمن قبلنا ممن كانوا خيرًا منا علمًا
وعملاً بحيث لا تقاس علماؤنا في الغالب بعامتهم، فضلاً عن أن نقيس دهمائنا
بدهمائهم، ونسائنا بنسائهم، بل لا يجوز لأحد سرد تلك الأقاويل المفرقة والشُّبَه
المضللة على العامة، من أحب الوقوف على مسائل الخلاف فعليه أن يتبع قوة
الدليل إن كان من أهل النظر، وإلا فليقلد الجمهورالأكبر، ولا يكفرن من خالفه فيما
اعتقده، ولا يجعلن الخلاف مانعًا من أخوته الإيمانية، وإذا ذاكره أو كاتبه في ذلك
فليسلك معه مسالك الإخوة في مذاكرتهم بمصالحهم ومنافعهم.
السنيّ والشيعي والمعتزلي والوهابي إلخ كلهم مسلمون، وإمامهم القرآن،
ونبيهم محمد - عليه السلام - فيجب أن يكونوا إخوة، فمن شذ عن هذه الأخوة
يجب أن نتلطف بجذبه إليها لا أن نعاديه وننفر منه، هذا هو صراط المؤمنين إذا
سلكناه نجونا، وإلا ازددنا هلاكًا ودمارًا، ولا نجد لنا من دون الله أنصارًا. انتهى انتهى {مجلة المنار، جمادى الآخرة 1317 هـ، للشيخ/ محمد رشيد رضا} ...