قوله: {مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} إلخ، خص هؤلاء بالذكر، لأنهم أكابر الأنبياء، وأولي العزم وأصحاب الشرائع المعظمة المستقلة المتجددة، فكان كل من هؤلاء الرسل له شرع جديد، وأما من عداهم من الرسل، إنما كان يبعث بتبليغ شرع ما قبله، فمن بين نوح وإبراهيم، وهما هود وصالح، بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى، بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم، وكذا من بين موسى وعيسى، بعثوا بتبليغ شرع موسى، وإنما يذكر من قبلهم، لأنه لم يكن قبل نوح أحكام مشروعة، لأن آدم كان شرعه التوحيد، ومصالح المعاش، واستمر الأمر إلى نوحن فبعثه الله تعالى بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك الأمر يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء، واحداً بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا، على لسان أكرم الرسل نبينا صلى الله عليه وسلم، فتبين بهذا أن شرعنا معشر الأمة المحمدية، قد جمع جميع الشرائع المتقدمة.
قوله: (هو أول أنبياء الشريعة) أي فهذا حكمه بدئه بنوح، وأيضاً لتقدمه في الزمان.
قوله: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أتى بالاسم الموصول الذي هو أصل الموصولات، وعبر في جانبه صلى الله عليه وسلم بالإيحاء، تعظيماً لشأنه، ورداً على المشركين المنكرين بعثته صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: لست مرسلاً.
قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ} الأوضح أن {أَنْ} تفسيرية بمعنى أي، ويصح أن تكون مصدرية، إما في محل رفع خبر لمحذوف تقديره هو إقامة الدين، أو في محل نصب بدل من مفعول {شَرَعَ} والمراد بإقامة الدين، تعديل أركانه وحفظه والمواظبة عليه.
قوله: (وهو التوحيد) بيان للمراد من الدين الذي اشترك فيه هؤلاء الرسل، وأما قوله: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} فهو أعم من ذلك، فإن المراد به جميع الشريعة أصولاً وفروعاً، وإنما اقتصر على التوحيد، لأنه رأس الدين وأساسه.
قوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} أي شق عليهم.
قوله: (من التوحيد) اقتصر عليه لأنه عماد الدين، وإلا فما يدعوهم إليه عام، يشمل جميع الأصول والفروع.