أي لشيء نَافع ، فقد جاءت صفتها اسماً مفرداً بقرينة مقابلته بقوله: لشيء بعيد نفعه ، ثم يعْرِض ل {مَا} التعريفُ بكثرة استعمالها نكرة موصوفة بجملةٍ فتعرفت بصفتها وَأشْبهت اسم الموصول في ملازمة الجملة بعدها ، ولذلك كثر استعمال {ما} موصولة في غير العقلاء ، فيكون إيثار {ما وصَّى به نوحاً} و {ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} بحرف {ما} لمناسبة أنّها شرائع بَعُد العهدُ بها فلم تكن معهودة عند المخاطبين إلا إجمالاً فكانت نكرات لا تتميز إلا بصفاتها ، وأما إيثار الموحَى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم باسم {الذي} فلأنه شرع متدَاوَل فيهم معروفٌ عندهم.
فالتقدير: شرع لكم شيئاً وصَّى به نوحاً وشيئاً وصَّى به إبراهيم وموسى وعيسى ، والشيءَ الموحى به إليك.
ولعل هذا من نكت الإعجاز المغفول عنها.
وفي العدول من الغيبة إلى التكلم في قوله: {والذي أوحينا إليك} بعد قوله {شرع لكم} التفات.
وذُكر في جانب الشرائع الأربع السابقة فعل {وصى} وفي جانب شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فعل الإيحَاء لأن الشرائع التي سبقت شريعةَ الإسلام كانت شرائع موقتة مقدّراً ورود شريعة بعدها فكان العمل بها كالعمل الذي يقوم به مؤتمن على شيء حتى يأتي صاحبه ، وليقع الاتصال بين فعل {أوحينا إليك} وبين قوله في صدر السورة {كذلك يُوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} [الشورى: 3] .
و {أنْ} في قوله: {أن أقيموا الدين} يجوز أن تكون مصدرية ، فإنّها قد تدخل على الجملة الفعلية التي فعلها متصرف ، والمصدرُ الحاصل منها في موضع بدل الاشتمال من {مَا} الموصولة الأولى أو الأخيرة.
وإذا كان بدلاً من إحداهما كان في معنى البدل من جميع أخواتهما لأنها سواء في المفعولية لفعل {شرع} بواسطة العطف فيكون الأمر بإقامة الدّين والنهي عن التفرق فيه مما اشتملت عليه وصاية الأديان.