وبذلك توصل أهل الحق إلى التمييز بين المصيب والمخطئ ، ومراتببِ الخطأ في ذلك ، على أنّه لا يناسب سياق الآيات سابِقها وتاليها ولا أغراضَ السور المكية.
وقد احتج بهذه الآية نفاة القياس ، وهو احتجاج لا يرتضيه نطَّاس.
{الله ذَلِكُمُ الله رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ} .
يجوز أن تكون الجملة مقول قول محذوف يدلّ عليه قوله: {لتنذر أمّ القرى} [الشورى: 7] الآية ، فتكون كلاماً مستأنفاً لأن الإنذار يقتضي كلاماً منذراً به ، ويجوز أن تكون متصلة بجملة {وما اختلفتم فيه من شيء} تكملة للكلام الموجه من الله ويكون في قوله: {ربي} التفاتاً من الخطاب إلى التكلم ، والتقدير: ذلكم الله ربّكم ، وتكون جملتا {عليه توكلت وإليه أنيب} معترضتين.
والإشارةُ لتمييز المشار إليه وهو المفهوم مِن {فحكمه إلى الله} .
وهذا التمييز لإبطال التباس ماهية الإلهياة والربوبية على المشركين إذ سموا الأصنام آلهة وأرباباً.
وأوثر اسم الإشارة الذي يستعمل للبعيد لقصد التعظيم بالبعد الاعتباري اللازم لِلسموّ وشرف القدْر ، أي ذلكم الله العظيمُ.
ويُتوصل من ذلك إلى تعظيم حكمه ، فالمعنى: الله العظيم في حكمه هُو ربّي الذي توكلت عليه فهو كافيني منكم.
والتوكل: تفعل من الوَكْل ، وهو التفويض في العَمل ، وتقدم عند قوله تعالى ، {فإذا عزمتَ فتوكّل على الله} في سورة آل عمران (159) .
والإنابة: الرجوع ، والمراد بها هنا الكناية عن ترك الاعتماد على الغير لأن الرجوع إلى الشيء يستلزم عدم وجود المطلوب عند غيره ، وتقدمت الإنابة عند قوله تعالى: {إن إبراهيم لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ} في سورة هود (75) .