وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} الظاهر أن ضمير الخطاب في قوله {يذرؤكم} شامل للآدميين والأنعام ، وتغليب الآدميين على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله: يذرؤكم واضح لا إشكال فيه.
والتحقيق إن شاء الله أن الضمير في قوله:"فيه"راجع إلى ما ذكر من الذكور والإناث ، من بني آدم والأنعام في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجا} [الشورى: 11] سواء قلنا إن المعنى: أنه جعل للآدميين إناثاً من أنفسهم أي من جنسهم ، وجعل للأنعام أيضاً إناثاً كذلك ، أو قلنا إن المراد بالأزواج الذكور والإناث منهما معاً.
وإذا كان ذلك كذلك ، فمعنى الآية الكريمة يذرؤكم أي يخلقكم ويبثكم وينشركم فيه ، أي فيما ذكر من الذكور والإناث ، أي في ضمنه ، عن طريق التناسل كما هو معروف.
ويوضح ذلك في قوله تعالى: {اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} [النساء: 1] فقوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} يوضح معنى قوله: {يَذْرَؤُكُمْ فِيه} .
فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله يذرؤكم فيه ، مع أنه على ما ذكرتم ، عائد إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟
فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، رجوع الضمير أو الإشارة بصيغة الإفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلاً.
ومثاله في الضمير: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ} [الأنعام: 46] الآية ، فالضمير في قوله: به مفرد مع أنه راجع إلى السمع والأبصار والقلوب.
فقوله: {يأتيكم به} أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم ، ومن هذا المعنى قول رؤبة بن العجاج: