إذا كانت الملاحظة التي يمكن أن يُؤاخَذ عليها ابن الأثير في نظرته إلى إعجاز القرآن الصوتي هي عدم تدعيم ما ذهب إليه في أغلب الأحيان بالأدلة القاطعة، وذلك اعتماداً منه على مبدأ الذوق السّليم الذي رفَعَه شعاراً له في كتابه (المثل السائر) ، فإنّ ما يُحسَب له هو وضْعُه تلك المعايير الصوتية التي لم يَكد يُشَر إليها من قِبَلِ سابقيه، وإيراده الأمثلة العديدة من كتاب الله، بحيث لا تكاد تخلو صفحة من صفحات كتابه من آية من آياته، وكذلك فَتْحُه الطريق لمن جاء بعده للنظر فيما أورده من نماذج دلالية صوتية، كما فعل الرافعي الذي يُعَدّ من أكثر المعاصرين اهتماماً بإعجاز القرآن -
المبحث الثاني:
2 -الإعجاز الصوتي عند المعاصرين
تناول الباحثون المعاصرون الإعجاز الصوتي للقرآن ضمن إطار الإعجاز البياني، شأنهم في ذلك شأن الباحثين القدامى، وعلى الرغم من الأبحاث الصوتية الدقيقة التي صدرت عن بعضهم في ثنايا دراساتهم لإعجاز القرآن البياني، إلاّ أنها في الغالب تبقَى حَبيسة الذوق الفنيّ السليم الذي أسّس له ابن الأثير، وبذلك لا يمكن أن تَرقَى في مُجمَلها إلى مستوى الدراسة العلمية الشاملة -
أما الدراسات المحكَمة التي مَزَجَت بين الجانب البياني والجانب الفني فأبرزت ملامحَ من عنصرَي الصّوت والإيقاع في القرآن فتكاد تكون معدودة، ولعلّ أوفَى مَن كتب في هذا المجال مصطفى صادق الرافعي وسيد قطب -
2 -1 - الرافعي
ذهب الرافعي إلى أنّ جهات الإعجاز كلّها إنما هي صفات من نظم القرآن وطريقة تركيبه - ولما وَجَدَ أنّ سِرَّ الإعجاز منعقد في نظمه فقد حَصَرَ جهات النظم في ثلاث: الحروف، والكلمات، والجمل ( [72] ) -
2 -1 - 1 - جهات الإعجاز في الصوت القرآني
2 -1 - 1 - 1 - الحروف وأصواتها