عَدّ الرماني (ت 386 هـ) من وجوه الإعجاز سبعة، جاعلاً البلاغة على رأس هذه الوجوه فابتدأ بها كتابه النُّكَت - وقد حَصَرَ البلاغةَ في ثلاث طبقات: «منها ما هو في أعلى طبقة، ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة - فما كان في أعلاها طبقة فهو مُعجِزٌ، وهو بلاغة القرآن» ( [5] ) -
ثم حَصَرَ وجوه البلاغة في عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان -
وكما نرى فإنّ من هذه الأقسام العشرة ما يرتبط بالصوت كالتلاؤم، والفواصل، والتجانس - والتلاؤم أهمُّها جميعاً لأنها ألصق بمباحث الصّوت، وقد عرّفه الرماني بأنه: نقيض التنافر، وأنه تعديل الحروف في التأليف، جاعلاً التأليف على ثلاثة أقسام:
متنافر -
متلائم في الطبقة الوسطى -
متلائم في الطبقة العليا -
والقسم الثالث أي المتلائم الذي في الطبقة العليا يشمل القرآن كلَّه - والرمّاني يرى أنّ تلاؤم الحروف في القرآن بَيِّنٌ لكلِّ متأمِّل فيه، والفرق بينه وبين غيره من الكلام كالفرق بين المتنافر والمتلائم من الطبقة الوسطى، ولكنّ الناس يتفاوتون في شدّة إحساسهم بذلك وفطنتهم له، كما يتفاوتون في شدّة إحساسهم بالشعر الموزون من المكسور -
ولما كانت مخارج الحروف متفاوتة بسبب موضعها من جهاز النطق، فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو بين هذا وذاك، فقد كان لزاماً أن يكون التلاؤم في تعديل الحروف من غير بعد شديد أو قرب شديد بين مخارجها، ويظهر ذلك «بسهولته على اللِّسان، وحسنه في الأسماع، وتقبّله في الطِّباع، فإذا انضاف إلى ذلك حُسنُ البيان ( [6] ) في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز للجيِّد الطِّباع البصير بجواهر الكلام» ( [7] ) -