وقد ثبت أنّ مِمّن لا يفهم القرآن ولا يعلم تفاسيره قد تأثَّر به وهو يستمع إليه لأوّل مرّة، كما رُوِيَ عن نصرانيّ أنه مرّ بقارئٍ فوقف يبكي، فقيل له مِمَّ بكيت؟ قال: للشجاعة والنَّظم ( [2] ) -
فأين يكمن هذا السِّحر، وما هو مصدره، وكيف استحوذ القرآن على العرب هذا الاستحواذ؟ وكيف اجتمع على الإقرار بسحره المؤمنون والكافرون على حدٍّ سواء؟
إنّ عنصر السِّحر الذي عَناه الوليد بن المغيرة في مقولته الشهيرة ( [3] ) بعد أن استوقفه القرآنُ طويلاً، ففكّر وقَدّر، ثم قُتِل كيف قَدّر، ثم نَظَرَ، ثم عَبَسَ وبَسَر، ثم أدبَرَ واستَكبَرَ"فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) [المدثر:24] لابدّ أنه «كان كامناً في مظهر آخَر غير التشريع والغيبيّات والعلوم الكونية - لابدّ أنّه كامنٌ في صميم النّسَق القرآنيّ ذاته» ( [4] ) -"
وقد اشتغل المسلمون بدراسة هذا النسق القرآني منذ نزوله وحتى يومنا هذا، لذلك كان حريٌّ بنا تناول ما قدّمه أولئك وهؤلاء، لنقف على مدَى إسهامِهم في هذا المضمار -
المبحث الأول:
1 -الإعجاز الصوتي عند القدماء
بحث القدماء على اختلاف مشاربهم وعلومهم في موضوع الاعجاز القرآني، وتركوا الباب مفتوحاً على مصراعيه لأخلافهم في العصور التالية، فتوسّل كلُّ أهل زمان بما ظهر من علوم وفنون في زمانهم مستعينين بها لالتقاط دُرَرٍ من هذا البحر الزَّخّار، وراح كلٌّ يُدلي بدَلوِه، ويحوز من هذا النبع الالهيّ ما استطاع إلى حوزته - فبرزت وجوهٌ من الإعجاز عديدة، ينبغي الوقوف عندها، والتنويه بِها، لكي يُحفَظ لِكلٍّ حقُّه وفضلُه - وسنتناول في بحثنا هذا أهم العلماء الذين أشاروا إلى ملامح من الإعجاز الصوتي في آثارهم -
1 -1 - الرُّماني