وكان الجاهل قد أورد كلام أيوب لزوجته طبقاً لرواية العهد العتيق بوصفه دليلاً على برّ أيوب أمام بلواه، وكذلك على لطفه وحلمه مع زوجته، مع أن بقية ذلك الكلام نفسه تنبئ عن حدّة وعنف في معاملته لها حيث يصف كلامها بأنه ككلام إحدى الجاهلات. ثم إن ما قالته هذه الزوجة لزوجها ليستحق ما هو أقسى من الحَلِف بضربها مائة ضربة، إذ استغربت صبره وتماسكه أمام محنَه وحاولت إغراءه بالتجديف على الله حتى يموت ويستريح.
وهذا نص ما قالت:"أإلى الآن أنت معتصم بسلامتك؟ جدَّف على الله ومُتْ".
ولقد جدّف أيوب (أيوب العهد القديم لا أيوب النبي الكريم الذي نؤمن به نحن المسلمين) ، وتمرد على ربه، ولعن اليوم الذي وُلِد
فيه، وسَخِر من القضاء الإلهي الذي يصبَ الشقاء على الأبرار ويغمر الفجرة بألوان النعم والسعادة، وتمنّى لو كان هناك قاضٍ يحتكم هو والله إليه حتى يتبين لله ظلمه وخطؤه، وأخذ ينوح نواحاً متصلاً، وكلما حاول أحد أصدقائه تهدئته ولفت نظره إلى تجاوزاته مع الله لزداد سخطاً وتمرداً، وذلك على مدى عشرات الصفحات، مع بعض الفَيْئات القليلة إلى الرضا أثناء ذلك. أَفَمَنْ يتمرد ويجدّف على ربه على هذا النحو، أُيسْتَبْعدُ أن يحلف لَيَضْرِبَنً امرأته لإبطائها عليه؟ لا ننس أنه لا العهد العتيق ولا القرآن الكريم قد تعرض لهذه التفصيلة، ولكنني أردت أن أبين للقارئ سخف المنطق الذي سوّل لجاهلنا المسارعة إلى الأعتراض على البيضاوي.