قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم.
كلمة في السياق:
ذكرنا أن هذه الآيات الثلاث جاءت في وسط الكلام عن داود وسليمان عليهما السلام وارتباطها بالسياق القريب واضح كما رأينا. فبعد أن ذكر الله عزّ وجل نهيه داود
عليه السلام عن اتّباع الهوى، وأمره إياه بالحكم بالحق، وتبيانه جزاء الضالين يوم القيامة، جاءت الآيتان التاليتان لذلك لتبيّنا ضرورة وجود اليوم الآخر وحكمته، واقتضى هذا أن تأتي الآية الثالثة لتبيّن حكمة نزول القرآن، إذ ما دام هناك يوم آخر فلا بدّ من وحي، وكان هذا الوحي في الرسالة الخاتمة هو القرآن الذي أنزله الله للتدبّر والتذكّر، فإذا اتضح هذا فلنتساءل ما محل هذه الآيات في سياق السورة والمقطع؟
لاحظنا أن المقطع بدأ بقوله تعالى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ... فالمقطع يبدأ بالأمر بذكر داود عليه السلام مما يوحي أنّ المقطع يأتي من أجل تبيان نماذج من كون هذا القرآن ذكرا؛ فهو يذكّر من خلال القصة والحادثة، ويذكّر من خلال التقرير، ويذكّر من خلال العرض، وقد ذكّرنا في قصّة داود عليه السلام من خلال القصة، وذكّرنا في الآيات الثلاث في الوسط من خلال التقرير، وختم الآيات بتبيان وتأكيد كون القرآن مذكّرا وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وصلة ذلك ببداية السورة وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ واضحة. فالسّورة نموذج على كون القرآن ذكرا.
ومجيء الآيات الثلاث بعد قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ... فيه إشارة إلى أهمية ما ورد في الآية، حتى جاءت ثلاث آيات بعدها لتعضّد مضمونها، فالحكم بالحق وترك اتباع الهوى من أعظم المقاصد في هذه الشريعة، وفي ختم الآيات الثلاث بقوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ ... فيه إشارة إلى أن القرآن هو ميزان الحق، وميزان عدم اتباع الهوى، وفي ختم الآية الأخيرة بقوله تعالى: