إلفات للنبي الكريم ، ألا يكون على حال من الصبر كحال هذا النبي الكريم ، « يونس » عليه السلام ؟ أليس هذا صريح منطوق الآية الكريمة ؟ وهل هذا مما يضير يونس عليه السلام ؟ وهل ينقص ذلك من قدره فِي موازين الناس ؟
وكلا ، فإنه وهو على تلك الحال كان بمنزلته العالية ، وبمقامه الكريم عند ربه ، الذي يقول سبحانه عنه: « فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ » .
وثالثا: لم يكن من محامل الآية الكريمة ، وهي تحمل إلى النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه - هذا التحذير الخفي من أن يكون على مستوى النبي الكريم « داود » فِي مقام الصبر - لم يكن من محاملها شيء يمس مقام هذا النبي الكريم ، بل لقد حملت الآية الكريمة مع هذا ألطافا كثيرة من عند اللّه إلى عبده « داود » .. كلها تنويه به ، ورفع لقدره ، وإحسان بعد إحسان إليه ، وكفى داود شرفا وفضلا أن يكون عبدا للّه ، مضافا إلى ذاته جل وعلا .. ثم إن فِي قوله تعالى: « وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ » عدولا عن اللفظ الذي يدل على الاحتراس والحذر والتجنب ، إلى اللفظ « اذكر » الذي لا يكون إلا فِي مقام الإحسان وتذكر النعم .. ثم جاء بعد هذا إضافة داود إلى اللّه سبحانه وتعالى ، إضافة عبودية ، الأمر الذي لا يناله إلا المخلصون الأصفياء من عباد اللّه ..
ثم جاء بعد هذا وصفه بأنه « ذو الأيد » أي القوة والصبر على ما يبتلى به من ربه من منح أو منع .. ثم أنبع هذا الوصف بوصف آخر ، وهو أنه « أواب » أي كثير الأوب والرجوع إلى اللّه ، إذا هو شعر بأنه لم يؤد للّه ما يجب فِي مواقع الابتلاء ، من شكر ، أو صبر ..
ثم يذكر بعد هذا ما ساق اللّه إليه من سوابغ رحمته المادية ولروحية معا ، فيقول سبحانه: « إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ » .. فهذه وهي الجبال أبرز وجوه ما على الأرض من عوالم ، تستجيب له ، وتأنم به ، وتسبّح للّه معه .. وهذه الطيور التي تبسط سلطانها فِي