الأولى قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} "يُسَبِّحْنَ"في موضع نصب على الحال ، ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه.
قال مقاتل: كان داود إذا ذكر اللّه جل وعز ذكرت الجبال معه ، وكان يفقه تسبيح الجبال.
وقال ابن عباس:"يُسَبِّحْنَ"يصلّين.
وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه.
وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دويّ حسن ، وما تصغي لحسنه (الطير) وتصوّت معه ، فهذا تسبيح الجبال والطير.
وقيل: سخرها اللّه عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها ؛ لأنها دالة على تنزيه اللّه عن شبه المخلوقين.
وقد مضى القول في هذا في"سبأ"وفي"سبحان"عند قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال.
واللّه أعلم.
(بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) الإشراق أيضاً أبيضاض الشمس بعد طلوعها.
يقال: شَرَقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضاءت.
فكان داود يسبّح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها.
الثانية روي عن ابن عباس أنه قال: كنت أمُّر بهذه الآية {بالعشي والإشراق} ولا أدري ما هي ، حتى"حدّثتني أم هانئ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، فدعا بوضوء فتوضأ ، ثم صلى صلاة الضحى ، وقال:"يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق"وقال عكرمة قال ابن عباس: كان في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في القرآن {يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق} ."
قال عكرمة: وكان ابن عباس لا يصلّي صلاة الضحى ثم صلاها بعد.
وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس: إني أجد في كتب اللّه صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوّابين.
فقال ابن عباس: وأنا أوجدك في القرآن ؛ ذلك في قصة داود"يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ".