{بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِى العذاب والضلال البعيد} إبطال من جهته تعالى لما قالوا بقسيميه وإثبت ما هو أشد وأفظع لهم ولذا وضع الذين لا يؤمنون موضع الضمير توبيخاً لهم وإيماء إلى سبب الحكم بما بعده كأنه قيل: ليس الأمر كما زعموا بل هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال عن الفهم والإدراك الذي هو الجنون حقيقة وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب حيث أنكروا حكمة الله تعالى في خلق العالم وكذبوه عز وجل في وعده ووعيده وتعرضوا لسخطه سبحانه.
وتقديم العذاب على ما يوجبه ويستتبعه للمسارعة إلى بيان ما يسوءهم ويفت في اعضادهم والاشعار بغاية سرعة ترتبه عليه كأنه يسابقه فيسبقه ، ووصف الضلال بالبعيد الذي هو وصف الضال للمبالغة لأن ضلالهم إذا كان بعيداً في نفسه فكيف بهم أنفسهم.
وقوله تعالى:
{أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ}
قيل: هو استئناف مسوق لتذكيرهم بما يعاينون مما يدل على كمال قدرته عز وجل وتنبيههم على ما يحتمل أن يقع من الأمور الهائلة في ذلك إزاحة لاستحالتهم الإحياء حتى قالوا ما قالوا فيمن أخبرهم به وتهديداً على ما اجترؤوا عليه ، والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أنهم أشد خلقاً أم هي وأنا إن نشأ نخسف بهم الأرض كما خسفناها بقارون أو نسقط عليهم كسفاً أي قطعاً من السماء كما أسقطنا على أصحاب الأيكة لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات وهو تفسير ملائم للمقام إلا أن ربط قوله تعالى إن نشأ الخ بما قبله بالطريق الذي ذكره بعيد.