وَقَوْلُهُ: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا الْأَمْرُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَظَنُّوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، أَوْ أَنَّ بِهَ جِنَّةً، لَكِنِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي عَذَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَفِي الذَّهَابِ الْبَعِيدِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَقَصْدِ السَّبِيلِ، فَهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَقُولُونَ فِيهِ مَا يَقُولُونَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ؛"قَالَ اللَّهُ: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُمْ لِيَعْتَبِرُوا، وَقَرَأَ: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} ... ... الْآيَةَ كُلَّهَا، وَقَرَأَ: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} "
وَقُطِعَتِ الْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ} فِي الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ، فَفُتِحَتْ لِأَنَّهَا أَلِفُ اسْتِفْهَامِ فَأَمَّا الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَهَا، الَّتِي هِيَ أَلِفُ افْتَعَلَ، فَإِنَّهَا ذَهَبَتْ لِأَنَّهَا خَفِيفَةٌ زَائِدَةٌ تَسْقُطُ فِي اتِّصَالِ الْكَلَامِ، وَنَظِيرُهَا: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} ، وَ {بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ} وَ {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
وَأَمَّا أَلِفُ آلْآنَ، وَآلذَّكَرَيْنِ فَطُوِّلَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُطَوَّلْ تِلْكَ، لِأَنَّ الْآنَ وَالذَّكَرَيْنِ كَانَتْ مَفْتُوحَةً، فَلَوْ أُسْقِطَتْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ فَرْقٌ، فَجَعَلَ التَّطْوِيلَ فِيهَا فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ، وَأَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ مَفْتُوحَةٌ، فَكَانَتَا مُفْتَرَقَتَيْنِ بِذَلِكَ، فَأَغْنَى ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى الْفَرْقِ مِنَ التَّطْوِيلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) }