هذا رجل كان بالأمس كافراً ، فماذا فعل الإيمان في قلبه ، وهو حديث عهد به؟ نظر نُعَيْم ، فرأى قريشاً وأتباعها يأتون من أسفل ، وبني قريظة وأتباعهم يأتون من أعلى ، فأراد أنْ يدخل بالدسيسة بينهما ، فذهب لأبي سفيان ، وقال: يا أبا سفيان ، أنا صديقكم ، وأنتم تعلمون مفارقتي لدين محمد ، ولكني سمعت هَمْساً أن بني قريظة تداركوا أمرهم مع محمد ، وقالوا: إن قريشاً وأحلافهم ليسوا مقيمين في المدينة مثلنا ، فإنْ صادفوا نصراً ينتصرون ، وإنْ صادفوا هزيمة فروا إلى بلادهم ، ثم يتركون بني قريظة لمحمد ؛ لذلك قرروا ألاَّ يقاتلوا معكم إلاَّ أنْ تعطوهم عشرة من كبرائكم ليكونوا رهائن عندهم .
سمع أبو سفيان هذا الكلام ، فذهب إلى قومه فقال لهم: أنتم المقيمون هنا ، وليس هذا موطن بني قريظة ، وسوف يتركونكم لمواجهة محمد وحدكم ، فإنْ أردتم البقاء على عهدهم في محاربة محمد ، فاطلبوا منهم رهائن تضمنوا بها مناصرتهم لكم .
بعدها ذهب أبو سفيان ليكلِّم بني قريظة في هذه المسألة ، فقال: هلك الخفُّ والحافر - يعني: الإبل والخيل - ولسنا بدار مقام لنا ، فهيا بنا نناجز محمداً - هذا بعد أنْ مكثوا نيِّفاً وعشرين يوماً يعدون ويتشاورون - فقالوا له: هذا يوم السبت ، ولن نفسد ديننا من أجل قتال محمد وعلى كل حال نحن لن نشترك معكم في قتال ، إلا أنْ تعطونا عشرة من كبرائكم يكونون رهائن عندنا ، ساعتها علم أبو سفيان أن كلام نعيم الأشجعي صِدْق ، فجمع قومه وقال لهم: الأرض ليست أرض مقام لنا ، وقد هلك الخف والحافر ، فهيا بنا ننجو .
قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء نعيم بن مسعود ، وأخبر رسول الله بما حدث ، ووجد رسول الله الجو هادئاً ، فقال:"ألا رجل منكم يذهب فيُحدِّثنا الآن عنهم ، وهو رفيقي في الجنة؟"والمراد: أن يندسَّ بين صفوف الأعداء ليعلم أخبارهم .