وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة ، حين أشار على رسول الله بحفر الخندق ، وقال: يا رسول الله كنا - يعني في فارس - إذا حَزَبنا أمرُ القتال خندقنا يعني: جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقاً ، ولاقت هذه الفكرة استحساناً من المهاجرين ومن الأنصار ، فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في صَفِّه ، فلما تنازعا عليه ، قال سيدنا رسول الله لهم"بل سلمان منا آل البيت"وهذا أعظم وسام يوضع على صدر سلمان رضي الله عنه .
وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يُجنِّد حتى الباطل لخدمة الحق ، فنحن لم يسبق لنا أنْ رأينا خندقاً ولا أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه الفكرة ، لكن ساقها الله لنا ، وجعلها جُنْداً من جنوده على يد هذا الصحابي الجليل ، لنعلم كما قال تعالى {وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ...} [الأنفال: 24] .
وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح الأطفال بعد النبوءة التي سمعها ، ثم يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه الماء ، وهو في صندوقه ، ولا يخفي على أحد أنَّ أهله قصدوا بذلك إبعاده عن خطر فرعون ، ومع ذلك حال الله يبين فرعون وبين ما في قلبه ، فأخذ الولدَ وربَّاه في بيته .
وقد أحسن الشاعر الذي عبَّر عن هذا المعنى ، فقال:
إذاَ لَمْ تُصَادِفْ في بنَيكَ كَافِرٌ ... فَقَد كَذَب الراجي وَخَاب المُؤمِّلُ
فَمُوسىَ الذِي ربَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ... ومُوسىَ الذي ربَّاهُ فرعَوْنُ مُرْسَلُ
البطل الثاني في هذه المعركة رجل يُدْعَى نعيم بن مسعود الأشجعي ، جاء لرسول الله يقول: يا رسول الله لقد مال قلبي للإسلام ، ولا أحد يعلم ذلك من قومي ، فقال له رسول الله:"وما تغني أنت؟ ولكن خذِّل عنا"أي: ادفع عنا القوم بأيِّ طريقة ، أبعدهم عنّا ، أو ضلِّلهم عن طريقنا ، أو قُلْ لهم أننا كثير ليرهبونا . . إلخ .