وكان في قريش بعض التعقُّل فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه: أنتم أهل كتاب ، وأعلم بأمر الأديان فقولوا لنا: أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال: بل أنتم أصحاب الحق .
سمعتْ قريش هذا الكلام بما لديها من أهواء ، وكما يقال: آفة الرأي الهوى ؛ لذلك لم يناقشوه في هذه القضية ، بل نسجوا على منواله ، ولم يذكروا ما كان من أهل الكتاب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ، وأنهم كانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله ويقولون لهم: لقد أطلَّ زمان نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْلَ عاد وإرم ، لقد فات قريشاً أنْ تراجع حيي بن أخطب ، وأن تسأله لماذا غيَّرتم رأيكم في محمد؟
ثم جاء القرآن بعد ذلك ، وفضح هؤلاء وهؤلاء ، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً} [النساء: 51] .
فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول ، ويفسد فيها الرأي ، فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد مَنْ يناصرها ضد محمد ودعوته ، ومن هنا اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلافها من بني فزارة ، ومن بني مرة ، ومن غطفان وبني أسد والأشجعيين وغيرهم ، اجتمعوا جميعاً للقضاء على الدين الوليد .
ثم كانت أولى بطولات هذه المعركة ، لرجل ليس من العرب ، بل من فارس عبدة النار والعياذ بالله ، وكأن الحق سبحانه يُعد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل ، إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي ، الذي قضي حياته جَوَّالاً يبحث عن الحقيقة ، إلى أنْ ساقتْه الأقدار إلى المدينة ، وصادف بعثة رسول الله وآمن به .