وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلّى الله عليه وسلم شهراً ، ولم يكن بينهم قتال ؛ لأجل ما حال الله به من الخندق ، بينهم وبين المسلمين ، إلا أن فوارس من قريش منهم عَمْرو بن عبد ودّ وجماعة معه ، أقبلوا نحو الخندق ، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها , ثم تيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه , وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع , ودعوا إلى البراز , فانتدب لعمرو عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، فبارزه فقتله الله على يديه , وكان من شجعان المشركين وأبطالهم ، وانهزم الباقون إلى أصحابهم . وكان شعار المسلمين يومئذ:"حم لا ينصرون".
ولما طالت هذه الحال على المسلمين ، أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يصالح عُيينة بن حصن والحارث بن عوف ، رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة ، وينصرفا بقومهما ، وجرت المراوضة على ذلك ، فاستشار السعدين في ذلك فقالا: يا رسول الله ! إن كان الله أمرك بهذا ، فسمعاً وطاعةً , وإن كان شيء تصنعه لنا ، فلا حاجة لنا فيه . لقد كنا نحن [و] هؤلاء القوم على الشرك بالله ، وعبادة الأوثان ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بيعاً ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ؟ والله ! لا نعطيهم إلا السيف . فصوّب رأيهما وقال: ( إنما هو شيء أصنعه لكم ، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ) .