ويمكن أن يقال معناه: أنهم قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه ، والإشارة بقوله: {أولئك} إلى الموصوفين بتلك الصفات {لَمْ يُؤْمِنُواْ} إيماناً خالصاً بل هم منافقون ، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر {فَأَحْبَطَ الله أعمالهم} أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها لأنها لم تكن لهم أعمال تقتضي الثواب حتى يبطلها الله.
قال مقاتل: أبطل جهادهم لأنه لم يكن في إيمان {وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} أي وكان ذلك الإحباط لأعمالهم ، أو كان نفاقهم على الله هيناً.
{يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ} يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم ، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع {وَإِن يَأْتِ الأحزاب} مرة أخرى بعد هذه المرة {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب} أي يتمنون أنهم في بادية الأعراب لما حلّ بهم من الرهبة ، والبادي خلاف الحاضر ، يقال: بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ} أي عن أخباركم وما جرى لكم ، كل قادم عليهم من جهتكم.
أو يسأل بعضهم بعضاً عن الأخبار التي بلغته من أخبار الأحزاب ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: أنهم يتمنون أنهم بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال لفرط جبنهم وضعف نياتهم {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لو كانوا معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال ما قاتلوا معكم إلا قتالاً قليلاً خوفاً من العار وحمية على الديار.
{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي قدوة صالحة ، يقال: لي في فلاة أسوة ، أي لي به ، والأسوة من الائتساء ، كالقدوة من الاقتداء: اسم يوضع موضع المصدر.
قال الجوهري: والأسوة والإسوة بالضم والكسر ، والجمع أسى وإسى.