وعن نافع: أن ابن عمر كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها ويقول: لعلَّ خُفًّا يقع على خُف؛ يعني: خف راحلة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد كان السلف لا يُنكرون شيئاً أشد مما يُنكرون ترك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به.
وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه - على المنبر: والله ما رأيتُ قوماً قط أرغب فيما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزهد فيه منكم، والله ما مرَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي له. صححه الحاكم، وأخرجه الإمام أحمد، وابن حبان في"صحيحه"بنحوه.
واعلم أنه لا يتأتى لنا في هذا الكتاب الاتساع في تفاصيل طرائق الاقتداء والاتباع؛ فكان ذلك موضوعه كتب الشرع الشريف من تفسير، أو حديث، أو فقه.
وإنما غرضنا الآن التنبيه على نبذة من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - حملاً لمن يُريد الاقتداء به عليها، وندباً لمن يُحب التشبه به إليها.
قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم: 4] .
روى مسلم عن سعيد بن هشام قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فسألتها عن أخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان خُلقه القرآن.
وقال الحسن: كان خُلقه آداب القرآن.
وقال الجنيد رحمه الله: إنما سمي خلقه عظيماً لأنه لم يكن له
همة سوى الله تعالى.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد الاهتمام بمكارم الأخلاق لأنه - صلى الله عليه وسلم - بُعثَ ليتممها وتتم به كما تقدم عنه - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - مع ما وصف به من الخلق العظيم يقول في افتتاح صلاته:"اللَّهُمَّ اهْدِنِيْ لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِيْ لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّيْ سَيِّءَ الأَخْلاَقِ لاَ يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ". رواه مسلم من حديث علي - رضي الله عنه -.
وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن عائشة رضي الله عنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:"اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِيَ فَحَسِّنْ خُلُقِي".