وقوله: (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
دليل على أن الاستئذان في جميع الأوقات واجب في الثلاثة وغيرها
على سائر الناس سوى الأطفال ، وملك اليمين الذي أبيح لهم إلا في
الثلاثة الأوقات .
وقوله: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ)
دليل على أن الأخذ بالرخص - وإن كان مباحا - فالأخذ بالتشدد
أفضل ، ويؤيده قوله - تبارك وتعالى -: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ(126) ، وقوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ(41)
ثم قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) .
وقوله: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) .
فإن. قيل: أفليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه".
قيل: ليس ذلك بمؤثر فيما قلناه ، إذ ليس في حبه أن يؤخذ كراهة
للأخذ بما هو عنده أفضل من الرخص ، وإذا أحب أن يؤخذ برخصه فهو
لما هو أفضل من الرخص أشد حُبًا. وللآخذ به أكثر ثوابا لما عليه من
المضض ، والمجاهدة في تحمله ، ومخالفة نفسه فيما هي بسبيله من الميل إلى
الراحات ، واجتناب تحمل المشقات.
ومن علم أن رخصة الله ممهدة لأهلها ، والآخذ بها آخذ بالحق ، بعيد
من الإصر فقد قبلها وأخذ بها ، وإن لم يعمل بها في كل وقت لما يؤثر