غيرها في العمل عليها ، ويجاهد نفسه في استيجاب ثواب ما فضل
عليها ، ألا ترى أنه قد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفات"، فمن
لم يرمق الآخذين بالرخص بعين التقصير ، وعلم أنهم سالكون سبل الحق
عاملون بغير معصية ، فقد قبلها وأخذ بها ، ولكنه رأى درجة المجتهدين
أعلى من درجة المترخصين فسما إليها رجاء ما ذكر الله في كتابه
فيها.
فإن قيل: أفليس أباح الله - جل وتعالى - إفطار رمضان في السفر وأذن
فيه ، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ،
قيل: وَلا في الرخص والتشديد أراد إلا اليسر ، لأنه مهد الرخص
ولم يؤثم القاعد عن الأصعب ، بل دل على زيادة فضل ، وعلو درجة إن
أخذ بها نالهما ، وإن قعد عنه لم يلحقه مأثم. فأي يُسرِ أيسر من هذا عند
من تميزه.
وأرى كثيرا من الناس يحملون هذا الخبر غير محله ، ويتناولونه ،
على غير جهته ، فيرون أن الرخص المذكورة عن أهل العلم داخلة في الخبر
وليس كذلك ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أضاف الرخص
إلى الله - جل وعز - فقال:"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يحب"
أن يؤخذ بعزائمه"، ورخصه غير رخص غيره ، إذ لا يمكن إضافتها"
إليه إلا ما بين منها في كتابه ، أو شَهِد بها جماعة الأمة عليها ، أو أضيف
بظاهر خبر الثقات إليه. ورخص العلماء محتاجة إلى حجج تشهد
بصحتها ، فمن سمى رخص العلماء رخصة فقد افترى على الله
الكذب ، وإن أمكن أن تكون في أنفسها حقَّا.
الأكل من بيت الصديق.
قوله تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ)
إلى قوله: (أَوْ صَدِيقِكُمْ)
دليل على أن المرء لا حرج عليه أن يأكل من جميع هذه البيوت بغير إذن
بعد أن لا يفسد ، ولا يحمل ، إذ لو كان بإذن ما كان لاختصاص هؤلاء
معنى ، لأن الإذن يبيح من جميع الأمكنة.