هذا الحيوان الذي نتهمه بالغباء ونقول أنه بهيم . . الخ لو فكرتَ فيه لَتغيَّر رأيّك ، فالحمار الذي نتخذه رَمْزاً للغباء وعدم الفَهْم تسوقه أمامك وتُحمِّله القاذورات وتضربه فلا يعترض عليك ولا يخالفك ، فإنْ نظفْته وزيَّنْتَه بلجام فضة ، وبردعة قطيفة تتخذه رُكُوبة وزينة ويسير بك ويحملُك ، وأنت على ظهره ، فإنْ غضبتَ عليه واستخدمْته في الأحمال وفي القاذورات تحمَّل راضياً مطيعاً . .
وانظر إلى هذا الحمار الذي نتخذه مثالاً للغباء ، إذا أردتَ منه ان يقفز قناة أوسع من مقدرته وإمكانياته ، فإنه يتراجع ، ومهما ضربتَه وقسْوتَ عليه لا يُقدِم عليها أبداً ؛ لأنه يعلم مدى قفزته ، ويعلم مقدرته ، ولا يُقدِم على شيء فوق ما يطيق - وبعد ذلك نقول عنه: حمار!!
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير . .} [الحج: 28] .
البائس: هو الذي يبدو على مِحْنته وشكله وزِيِّه أنه فقير محتاج ، أما الفقير فهو محتاج الباطن ، وإنْ كانَ ظاهره اليُسْر والغِنَى ، وهؤلاء الفقراء لا يلتفت الناس إليهم ، وربما لا يعلمون حالهم وحاجتهم ، وقد قال الله فيهم: {يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً . .} [البقرة: 273] .
والمعنى: كُلُوا مما يُبَاح لكم الأكل منه ، وهي الصدقة المحضة ، أو الهدية للبيت غير المشروطة بشيء ، يعني: لا هي دم قِرَان أو تمتُّع ، ولا هي فدية لمخالفة أمر من أمور الإحرام ، أو كانت نذراً فهذه كلها لا يؤكَل منها .
إذن: كلوا من الصدقة والتطوع ، وأطعموا كذلك البائس والفقير ، ومن رحمة الله بالفقراء أنْ جعل الأغنياء والمياسير هم الذين يبحثون عن الذبائح ويشترونها ويذهبون لمكان الذبح ويتحمَّلون مشقة هذا كله ، ثم يبحثون عن الفقير ليعطوه وهو جالس في مكانه مستريحاً ، يأتيه رِزْقه من فَضْل الله سهلاً وميسّراً .