يعني: أَدِّ ما عليك ، واترك ما فوق قدرتك لقدرة ربك . فأذَّنَ إبراهيم في الناس بالحج ، ووصل النداء إلى البشر جميعاً ، وإلى أن تقوم الساعة ، فَمنْ أجاب ولَبَّى: لبيك اللهم لبيك كُتِبَتْ له حجة ، ومَنْ لبَّى مرتين كتِبت له حجَّتيْن وهكذا ، لأن معنى لبيك: إجابةً لك بعد إجابة .
فإنْ قُلْتَ: إن مطالب الله وأوامره كثيرة ، فلماذا أخذ الحج بالذات هذه المكانة؟ نقول: أركان الإسلام تبدأ بالشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ثم الصلاة ، ثم الزكاة ، ثم الصوم ، ثم الحج ، لو نظرتَ إلى هذه الأركان لوجدتَ أن الحج هو الركن الوحيد الذي يجتهد المسلم في أدائه وإنْ لم يكُن مستطيعاً له فتراه يوفر ويقتصد حتى من قُوته ، وربما حرمَ نفسه لِيُؤدِّي فريضة الحج ، ولا يحدث هذا ولا يتكلفه الإنسان إلا في هذه الفريضة ، لماذا؟
قالوا: لأن الله تعالى حكم في هذه المسألة فقال: أَذِّن - يأتوكَ ، هكذا رَغْماً عنهم ، ودون اختيارهم ، أَلاَ ترى الناس ينجذبون لأداء هذه الفريضة ، وكأن قوة خارجة عنهم تجذبهم .
وهذا معنى قوله تعالى: {فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ . .} [إبراهيم: 37] ومعنى تهوي: تأتي دون اختيار من الْهُويِّ أي: السقوط ، وهو أمر لا يملكه الإنسان ، كالذي يسقط من مكان عالٍ ، فليس له اختيار في ألاَّ يسقط .
وهكذا تحِنُّ القلوب إلى بيت الله ، وتتحرَّق شَوْقاً إليه ، وكأن شيئاً يجذبها لأداء هذه الفريضة ؛ لأن الله تعالى أمر بهذه الفريضة ، وحكم فيها بقوله {يَأْتُوكَ . .} [الحج: 27] أما في الأمور الأخرى فقد أمر بها وتركها لاختيار المكلف ، يطيع أو يعصي ، إذن: هذه المسألة قضية صادقة بنصِّ القرآن .