الأول: أن نفس الأحاديث الواردة في ذلك فيها قرينة واضحة ، دالة عليه ، وهو ما تكرر فيها من أن النذر لا يرد شيئاً من القدرن ولا يقدم شيئاً ، ولا يؤخر شيئاً ونحو ذلك. فكونه لا يرد شيئاً من القدر ، قرينة واضحة على أن الناذر أراد بالنذر جلب نفع عاجل ، أو دفع ضر عاجل فبين صلى الله عليه وسلم أن ما قضى الله به في ذلك واقع لا محالة ، وأن نذر الناذر لا يرد شيئاً كبته الله عليه ، ولكنه إن قدر الله ما كان يريده الناذر بنذره ، فإنه يستخرج بذلك من البخيل الشيء الذي نذر وهذا واضح جداً كما ذكرنا.
الثاني: أن الجمع واجب إن أمكن وهذا جمع ممكن بين الأدلة واضح تنتظم به الأدلة ، ولا يكون بينها خلاف ، ويؤيده أن الناذر الجاهل ، قد يظن أن النذر قد يرد عنه ما كتبه الله عليه. هذا هو الظاهر في حل هذا الإشكال. وقد قال به غير واحد. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
فإن قيل: إن النذر المعلق كقوله: إن شفى الله مريضي أو نجاني من كذا ، فلله علي نذر كذا ، فقد ذكرتم أنه هو المنهي عنه ، وإذا تقرر أنه منهي عنه لم يكن من جنس القربة ، فكيف يجب الوفاء بمنهي عنه.
والجواب: أن النص الصحيح دل على هذا فدل على النهي عنه أولاً ، كما ذكرنا الأحاديث الدالة على ذلك ، ودل على لزوم الوفاء به بعد الوقوع فقوله صلى الله عليه وسلم:"وإنما يستخرج به من البخيل"نص صريح في أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر إخراجه ، وهو المصرح بالنهي عنه أولاً ، ولا غرابة في هذا ، لأن الواحد بالشخص قد يكون له جهتان. فالنذر المنذور له جهة هو منهي عنه من أجلها ابتداء: وهي شرط حصول النفع فيه ، وله جهة أخرى هو قربة بالنظر إليها ، وهو إخراج المنذور تقرباً لله وصرفه في طاعة الله ، والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن النذر في اللغة النحب وهو ما يجعله الإنسان نحباً واجباً عليه قضاؤه ، ومنه قول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول... أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطل