وهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين ، عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر ، وأنه لا يأتي بخير ، وإنما يستخرج به من البخيل. وفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف ، لأنه قد دل القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر ، وأنه من أسباب دخول الجنة كقوله تعالى: {إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً يُوفُونَ بالنذر وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 5 - 7] وقوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء ، بنذر الطاعة ، كقوله تعالى في هذه الآية ، التي نحن بصددها {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] الآية. وكقوله صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يطيع الله فليطعه"ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح ، من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد ، عن يحيى عن شعبة: حدثني أبو جمرة ، حدثنا زهدم بن مضرب ، قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما ، يحدث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم"قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثاً بعد قرنه"ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن"اه من صحيح البخاري. وهو ظاهر جداً في إثم الذين لا يوفون بنذرهم ، وأنهم كالذين يخونون ، ولا يؤتمنون. وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه ، عن عمران بن حصين. وقال النووي في شرحه لحديث عمران هذا فيه وجوب الوفاء بالنذر ، وهو واجب ، بلا خلاف ، وإذا كان ابتداء النذر منهياً عنه: كما سق في بابه ، اه محل الغرض منه.