وأما قول أبي الخطاب: إنه يجوز بإحرام العمرة ، فلا مستند له من كتاب ، ولا سنة ولا قياس. والظاهر: أنه يرى أن هدي التمتع له سببان ، وهما العمرة والحج في تلك السنة ، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة فجاز الإتيان بالمسبب ، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان ، لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم ، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى ، ولم تنتف الموانع ، لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة ، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولا يخفى سقوط هذا ، كما ترى. وأما الشافعية: فقد ذكروا لمذهبهم أدلة.
منها: أن هدي التمتع حق مالي ، يجب بسببين: هما الحج ، والعمرة.
فجاز تقديمه على أحدهما قياساً ، على الزكاة بعد ملك النصاب ، وقبل حلول الحول.
ومنها: قوله تعالى {فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدي} [البقرة: 196] قالوا: قوله {فَمَا استيسر مِنَ الهدي} أي عليه ما استيسر من الهدي ، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعاً ، فوجب حينئذ ، لأنه معلق على التمتع: وقد وجد. قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل} [البقرة: 187] فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل ، فكذلك التمتع ، يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام.
ومنها: أن شروط التمتع وجدت عند الإحرام بالحج ، فوجد التمتع ، وذبح الهدى معلق على التمتع ، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق.
ومنها: أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه ، يجوز تقديم بعضه على يوم النحر ، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج} [البقرة: 196] الآية وتقديم البدل ، يدل على تقديم المبدل منه.
ومنها: أنه دم جبران ، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر كدم فدية الطيب واللباس.