وقد علمت مما تقدم: أن القائلين بأفضلية الإفراد ، يقدحون في دلالة أحاديث القران على أفضليته على الإفراد بالقادح المعروف في الأصلو بالقول بالموجب ، فيقولون: سلمنا أنه كان قارناً مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران على الإفراد ، لأن قرانه ، وأمره أصحابه بالتمتع ، لم يكن لأفضلية القران والتمتع في حد ذاتيهما على الإفراد ، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب منفصل ، وإن كان الإفراد أفضل منهما في حد ذاته لما قدمنا من أن الفعل المفضول أو المكروه ، إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته كما قدمنا إيضاحه.
وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحرث المزني في السنن ، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خالصاً بذلك الركب في حجة الوداع ، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة ، وغيرهم من المهاجرين ، والأنصار من أفاضل الصحابة ، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما وثبت عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ذلك وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم عنهم مخالفة لذلك لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين ، القاضية بخلافها ، فإن قيل سلمنا تسلمياً جدلياً أن القران مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ، والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع ، كانا لأجل بيان الجواز فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى ، فإنه صلى الله عليه وسلم فعله ، وأمر به لسبب خاص ، وهو أن يرى المشركين قوة الصحابة ، وأنهم لم يضعفهم مرض ، ومع كون ذلك لهذا السبب فمشروعية سنيته باقية فليكن قرانه ، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك.