فَالصَّوَابُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَأَنَّ الدُّورَ تُمْلَكُ، وَتُوهَبُ، وَتُوَرَّثُ وَتُبَاعُ، وَيَكُونُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْبِنَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ وَالْعَرْصَةِ، فَلَوْ زَالَ بِنَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَرْضَ، وَلَهُ أَنْ يَبْنِيَهَا وَيُعِيدَهَا كَمَا كَانَتْ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا يَسْكُنُهَا، وَيُسْكِنُ فِيهَا مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى مَنْفَعَةِ السُّكْنَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَدَّمَ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَيَخْتَصَّ بِهَا لِسَبْقِهِ وَحَاجَتِهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَيْهَا، كَالْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ وَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ، وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَ يَنْتَفِعُ، فَإِذَا اسْتَغْنَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَنَقْلَ الْمِلْكِ فِي رِبَاعِهَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْبِنَاءِ لَا عَلَى الْأَرْضِ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أبي حنيفة. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...