هذا إذا جعلت كبر من باب نعم وبئس كقولك: كرم رجلًا زيد، ولؤم رجلًا عمرو، وأما إذا أُخرجت من هذا الباب ونصبت (كلمة) على التمييز في الفعل المنقول كقولك: تَصبَّبْتُ عرقًا، كان صفة لها، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
فإن قلت: ما حملك أن تخرجه من باب نعم وبئس؟ قلت: لأن الضمير في {كَبُرَتْ} راجع إلى مذكور وهو قولهم: قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ
وَلَدًا، وفاعل نعم وبئس لا يكون معهودًا. والمراد بالكلمة التي هي الفاعلة: قولهم: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ، وسميت كلمة، كما سميت القصيدة وإن كانت مائة بيت كلمة.
وقرئ: (كَلِمَةٌ) بالرفع، وارتفاعها على الفاعلية على معنى: عظمت. و {كَبُرَتْ} على هذه ليس بمعنى بئس، و {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} صفة لها.
قال الزمخشري: والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة، ثم قال: وقرئ: (كَبْرَتْ) بسكون الباء مع إشمام الضمة، انتهى كلامه، والإسكان تخفيف، والإشمام تنبيه.
وقوله: {إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (إن) هنا بمعنى النفي، و {كَذِبًا} نصب، بـ {يَقُولُونَ} على أنه مفعول به، أو نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا كذبًا، والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه.
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } :
قوله عز وجل: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} الجمهور على تنوين {بَاخِعٌ} ، ونصب قوله: {نَفْسَكَ} على الأصل، وقرئ: بحذفه وجر ما بعده على الإِضافة. وعلى كسر (إنْ) في قوله: {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا} على أنها الشرطية.
وقرئ: بفتحها على أنها التعليلية، و {بَاخِعٌ} للاستقبال على القراءتين فيمن قرأ: (إن لم يؤمنوا) بالكسر، وللمضي فيمن قرأ: (أَنْ لم يؤمنوا) بالفتح، أي: لأن [لم] يؤمنوا.
والباخع: القاتل، يقال: بخع نفسه يَبْخَعُهَا بَخْعًا، إذا قتلها، أي: قاتلها ومهلكها.
وقوله: {عَلَى آثَارِهِمْ} قيل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك. وقيل: {عَلَى آثَارِهِمْ} على موتهم على الكفر. يقال: بكى على أثر فلان، إذا بكى على فراقه.