وقوله: {بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} أي: بهذا القرآن، و {أَسَفًا} : مصدر في موضع الحال من المنوي في {بَاخِعٌ} ، أي: أسيفًا أو ذا أسف، أو مفعول له، أي: لفرط الحزن، أو لفرط الغيظ.
والأسف: الحزن على ما فات، والأسف: الغيظ أيضًا، وقد أَسِفَ على ما فاته يَأْسَفُ أَسَفًا فهو أسِفٌ وأسِيفٌ، وأسِفَ عليه أَسَفًا، أي: غضب. وآسَفَهُ: أغضبه، {فَلَمَّا آسَفُونَا} .
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } :
قوله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً} جعل هنا يحتمل أن يكودْ متعديًا إلى مفعولين وهما {مَا} و {زِينَةً} ، وأن يكون متعديًا إلى واحد وهو {مَا} ، و {زِينَةً} مفعول [له] ، أو حال أي: ذات زينة، أو ذا زينة،
و (جعل) على الوجه الأول بمعنى صير، وعلى الثاني: بمعنى خلق.
وفي {مَا} وجهان:
أحدهما: على بابها، والمراد بها: ما على وجه الأرض من الشجر والنبات والمياه والمعادن والذهب والفضة وأنواع الجواهر، جعلها الله زينة لها زينها بها.
والثاني: {مَا} بمعنى مَن، والمراد بها: الأنبياء - عليهم السلام - والعلماء، وقيل: حفظة القرآن. وقيل: جميع الرجال، جعلهم الله زينة للأرض. وقيل: ما على الأرض من المشتبهات المحرمات، جعلها زينة الأرض وزينها في أعين الخلق ليبلوهم بالصبر عنها. والوجه هو الأول وعليه الأكثر.
وقوله: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} اللام من صلة {جَعَلْنَا} . و {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ} : مبتدأ وخبر، ولم يعمل في أيٍّ ما قبله لأنه استفهام، والاستفهام له صدر الكلام، والمعنى: لتختبرهم أيهم أحسن عملًا في الترك والزهد فيها. و {عَمَلًا} : نصب على التمييز.
قوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} (ما) : مفعول أول لِجاعلون. و {صَعِيدًا} : هو المفعول الثاني، و {جُرُزًا} : صفة له. والصعيد: التراب، والجرز: الأرض التي لا تنبت، كأنها تأكل ما عليها أكلًا، يعني: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة.