فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري:
أحدهما: أن تأنيثها ليس حقيقياً، فحُملت على معنى النصر والتقدير: هنالك النصر لله الحقُّ، كما حُملت الصيحة على معنى الصياح في قوله: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) .
والثاني: أن الحقَّ مصدر يستوي في لفظه المذكَّر والمؤنث والاثنان والجمع، فيقال: قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حق.
ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار «هو» .
قوله تعالى: (عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا)
إِن قيل: هذا أمر مستقبل، فكيف عُبِّر عنه بالماضي؟
فالجواب: أن ما قد علم الله وقوعه، يجري مجرى المعاين، كقوله تعالى: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) .
(وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا(52)
قال ابن الأنباري: إِن قيل: لم قال: «مَوْبِقاً» ولم يقل: «مُوبِقاً» ، بضم الميم، إِذ كان معناه عذاباً مُوبقاً؟
فالجواب: أنه اسم موضوع لمَحْبِس في النار، والأسماء لا تؤخذ بالقياس، فيُعلم أن «مَوْبِقاً» :
مَفْعِل، من أوبقه الله: إذا أهلكه، فتنفتح ميمه كما تنفتح في موعد ومولد ومحتد إذ سمّيت الشخوص بهنَّ.
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا(55)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِذا كان المراد بسُنَّة الأولين العذاب، فما فائدة التكرار بقوله: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ) ؟
فالجواب: أن سُنَّة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته، وتخلّف أنواعه، وإِتيان العذاب قُبُلاً أفاد القتل يوم بدر.
قال مقاتل: «سُنَّة الأولين» : عذاب الأمم السالفة، «أو يأتيَهم العذاب قِبَلاً» ، أي: عِياناً قتلا بالسيف يوم بدر.