الجواب أن يقال: إن الفاء و «ثم» مشتركان في أن ما بعدهما في اللفظ متأخر عما قبلهما في المعنى، ومختلفان في أن الفاء قرب ما بعدها مما قبلها، وفي «ثم» تراخيا عنه وبعدا، فكان استعمال الفاء في سورة الكهف أولى واستعمال «ثم» هناك أحق وأحرى، وذلك أن ما في سورة الكهف في ذكر قوم يستدعون إلى الإيمان، ولم تختم أعمالهم بالكفر لقوله تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً} فكأنهم عقبوا التذكير بآيات الله الإعراض وقبولهم للدين وإقبالهم عليه مرجوان منهم، وليس كذلك قوله: {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} الآية في وصف الكفار بعد موافاتهم القيامة لقوله: {وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} إلى قوله:
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} أي: ذكر مدة عمره بآيات ربه، وتطاول الأمر بزجره ووعظه، ثم ختم ذلك بترك القبول، وبالإعراض، فكان هذا قولا يقال فيهم عند الانتقام منهم كما حكى في قولهم: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} وقد بان بما ذكرنا أن «ثم» هنا مكانها، والفاء هناك مكانها.
الآية الرابعة من سورة الكهف
قوله تعالى في الحكاية عن موسى عليه السّلام لما خرق الخضر عليه السّلام السفينة: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} ولما قتل الغلام {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} .
للسائل أن يسأل: عن الأمر والنكر، وهل كان يصلح أحدهما في موضع الآخر أم لكل واحد معنى يخصصه بمكانه؟.